سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي

41

الإكسير في علم التفسير

إن كان فيه آحاد ضعيفة ، أو شيء عن أصحاب التواريخ والسير غير مفيد للعلم بصحة ما دلّ عليه ، أو ظنه بدليل خارج من قرينة عقلية أو غيرها ، أو تأويل مختلف فيه متعارض عن العلماء ، نظرنا : فإن كان ما ورد فيه من الأحاديث الضعيفة والتواريخ والسير المذكورة موافقا للمفهوم من ظاهر الكلام ، أو من فحواه ، أو معقوله ، حمل الكلام على ما فهم منه ، وكان الخبر الضعيف ونحوه مؤكدا لما استفيد من اللفظ ، وإن لم يكن موافقا للمفهوم من ظاهر اللفظ أو معقوله ألغي ؛ لضعفه وضعف ما يفيده الظن إن أفاده ، واعتبر مفهوم ظاهر الكلام لقوته وقوة ما يفيده من ظن أن المراد ما لم يمنع منه مانع أقوى منه ؛ إذ المقصود من الكلام الإفهام ، والظاهر من المتكلم الحكيم إرادة ظاهر الكلام . وأما ما ورد فيه التأويل المختلف عن العلماء ، فذلك الاختلاف إما أن يشتمل على التناقض والتضاد أو لا ؛ فإن اشتمل عليه « كالقرء » التي صيّر في تأويلها إلى الحيض مرة ، وإلى الإطهار أخرى ، كان أحد النقيضين أو الضدين متعينا للإرادة ؛ لاستحالة الامتثال بالجمع بينهما ، وحينئذ يجب التوصل إلى المراد المتعين بطريق قوي راجح من الطرق المتقدّم ذكرها أو غيرها إن أمكن ، وإن لم يشتمل على التناقض ؛ بل كان مجرد اختلاف ، وتعدّد أقوال ، فإن احتمل اللفظ جميعها وأمكن أن تكون مرادة منه ، وجب حمله على جميعها ما أمكن ، سواء كان احتماله لها مساويا ، أو كان في بعضها أرجح من بعض ، وإلا فحمله على بعضها دون بعض إلغاء للفظ بالنسبة إلى بعض محتملاته من غير موجب ، وهو غير جائز ، ولأنه لو جاز أن يكون مرادا ، فإعمال اللفظ بالنسبة إليه أحوط من إهماله ، نعم إن كان احتماله لها متفاوتا في الرجحان ، جاز في مقام الترجيح تقديم الأرجح فالأرجح بحسب دلالة اللفظ عليه ، أو جلالة قائله ، أو عاضده الخارجي ، وغير ذلك من وجوه الترجيحات . ومثال ذلك ، أعني : احتمال اللفظ للوجوه المتعددة قوله تعالى : فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ « 1 » . قيل هي : مساقط النجوم في المغرب ، وقيل : إن منه نزول القرآن ؛ لأنه نزل في ثلاث وعشرين سنة « 2 » فاللفظ يحتمل القولين ؛ فيجوز أن يكون القسم بهما مرادا للّه عز وجل ؛ لأنهما

--> ( 1 ) سورة الواقعة آية 75 . ( 2 ) في الأصل : لأنه نزل نحو ما في ثلاث وعشرين سنة .